محمد رأفت سعيد

91

تاريخ نزول القرآن الكريم

فهذا هو رسول الله المبرأ من محاولات تشويه أعدائه والذي أعطاه الله أجرا غير مقطوع لصبره عليهم ، وشهد له بأنه على خلق عظيم . أما هم فستعلم ويعلمون من الذي به جنون . إنهم هم الذين فتنوا بالجنون وهم الذين ضلوا عن سبيل الله ، وهم الذين كذبوا ، وهم الذين يودون أن تركن إليهم ، وأن تداهنهم على باطلهم . ومنهم الحلاف المهين ، والعياب المغتاب ، والساعي بالإفساد بين الناس . ومنهم المناع للخير ، والبخيل بالمال عن الحقوق ، والظالم الآثم ، والغليظ الجافي ، والدعي في قريش على ماله الكثير وعلى البنين . إذا تليت عليهم آيات الله نسبها إلي أباطيل الأولين . تذكر السورة الكريمة هذا لبيان الحالين فيقول تعالى : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ( 6 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 7 ) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ( 9 ) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ( 10 ) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ( 11 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ( 13 ) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ ( 14 ) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 15 ) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ( 16 ) [ القلم ] . وذكر ما كان من حال المشركين في بداية الدعوة مناكبة لطريقها إلى الناس ، وتعليما للدعاة في كل عصر أن الأمر لا يقابل بالتسليم المطلق من الجميع ، بل يوجد من يقبل عليها طائعا ، ومن يرفضها ، بل ومن يواجهها مواجهة المحارب العنيد ، كما أن سورة القلم في هذه الآيات الكريمة تحذر من صفات يعيش عليها المشركون ، وتدعو إلى التطهر منها ، وعدم الوقوع فيها ، والتشبه بالمشركين في التخلق بها وهي أخلاق ذميمة ؛ منها ما يتصل بعقيدة الإنسان ، ومنها ما يتصل بشخصه ومنها ما يتصل بعلاقاته الاجتماعية وسلوكه العام . وإذا انتقلنا إلى الآيات الكريمة التي نزلت بعد ذلك في السورة نفسها وتركنا قليلا ما ذكر من أنه مدنى والذي يتمثل في امتحان أهل مكة إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ [ القلم : 17 ] نجد أن المعنى ينتقل من بيان وصف المشركين ووعيدهم إلى الحديث عن صفة المؤمنين ، وبيان قيم جديدة تستحق الاهتمام والعناية فيقول تعالى : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 34 ) أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 36 ) [ القلم ] فالقيمة الجديدة والتي سبق لها ذكر في السورة الأولى هي قيمة